محمد الغزالي
104
خلق المسلم
الناس أن تحسنوا ، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم » « 1 » . والرجل الضعيف ، هو الذي يستعبده العرف الغالب ، وتتحكم في أعماله التقاليد السائدة ، ولو كانت خطأ يجر معه متاعب الدنيا والآخرة . وقد أحدث الناس في أفراحهم وأحزانهم بدعا شتى ، وتواضعوا على الاستمساك بها أشد من استمساكهم بحقائق الدين نفسها . ولكن المؤمن الحق ، لا يكترث بأمر ليس له من دين اللّه سناد . وهو ، في جرأته على العرف والتقاليد ، سوف يلاقي العنت ، بيد أنه لا ينبغي أن يخشى في اللّه لومة لائم . وعليه أن يمضي إلى غايته ، لا تعنيه قسوة النقد ، ولا جراحات الألسنة . والباطل الذي يروج حينا ، ثم يثور الأقوياء عليه فيسقطون مكانته ، لا يبقى على كثرة الأشياع أمدا طويلا ، وربّ مخاصم اليوم من أجل باطل انخدع به ، أمسى نصيرا لمن خاصمهم ، مستريحا إلى ما علم منهم ، مؤيدا لهم بعد شقاق . عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أسخط اللّه في رضى الناس سخط اللّه عليه ، وأسخط عليه من أرضاه في سخطه ! ومن أرضى اللّه في سخط الناس رضي الله عنه ، وأرضى عنه من أسخطه في رضاه ! ! حتى يزينه ويزين قوله وعمله في عينيه » « 2 » . فليجمد المسلم على ما يوقن به ، وليستخف بما يلقاه من سخرية واستنكار عندما يشذ عن عرف الجهال ، ويخط لنفسه نهجا يلتمس به مثوبة اللّه عز وجل . ولئن كان الإيمان بالأوهام يغري البعض بأن يسخر ويتهكم ، فإن الإيمان بالإسلام يجب أن يجعل أصحابه أقوياء راسخين . وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً ، أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ؟ إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها ، وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا « 3 » .
--> ( 1 ) الترمذي . ( 2 ) الطبراني . ( 3 ) الفرقان : 41 - 42 .